رجالات الطفيلة

رجالات الطفيلة

  • الشيخ صالح باشا العوران

        وُلد الشيخ صالح باشا العوران في الطفيلة عام 1888، ونشأ في كنف والده الشيخ ذياب العوران، هو وشقيقه الأكبر عبد الرحمن، حيث يعد والدهما واحداً من أبرز الزعامات العشائرية في جنوبي الأردن، ومن أولئك المهابين من قبل رجال الدولة العثمانية، وكثيراً ما استعان " الباب العالي" به لحل المشاكل المستعصية، والمساهمة في حماية طريق الحج الشامي، وقد قدم العوران جهوداً واضحة في التأسيس للقواعد والأعراف العشائرية، وكانت له بسبب زعامته وشخصيته القوية، سلطة في حل المشاكل والقيام على شؤون الأهالي، لا تقل أهمية عن سلطة رجال الحكم الأتراك. تلقى العوارن تعليماً أولياً من خلال الكتّاب، وتمكن بعد هذه المرحلة من الدراسة في مدرسة الطفيلة، حيث أنهى المرحلة الابتدائية.   لم تكن الطفيلة أوفر حظاً من باقي بلدات جنوبي الأردن، في تلك الفترة التي عانت فيها من قلة عدد المدارس، وندرة المدرسين المؤهلين، فلم تُتح للعوران فرصة إكمال دراسته الثانوية، فتوجه إلى الحياة العملية، ليتعلم بنفسه، ويتشرب من والده معارف الحياة المتاحة والخبرات المتراكمة.    وقد كان لرجالات الطفيلة مساهمة مشهودة في معارك الطفيلة وغيرها، التي خاضها جيش الثورة العربية الكبرى، ولعب والد صالح العوران الشيخ ذياب دوراً سجله التاريخ، في دعم جيش الثورة بالمال والمتطوعين، مما حول الطفيلة إلى قلعة انتصار لا تقل أهمية عن حدث تحرير العقبة.     توفي والد صالح العوران الشيخ ذياب العوران عام 1938، فتابع أبناؤه مسيرة والدهم الوطنية، وحملوا نهجه ب تواصلهم مع أبناء الجنوب بخاصة، ومع شيوخ ووجهاء الأردن بعامة، وتولوا عدداً من المناصب داخل الطفيلة، وفي مؤسسات الدولة المختلفة.     ونظراً للمكانة التي تمتع بها صالح العوران، حقق نجاحاً مميزاً في انتخابات المجلس التشريعي الأول، التي جرت عام 1934، حيث أصبح نائباً في هذا المجلس عن لواء الجنوب، ثم أصبح وزير دولة للشؤون السياسية.     خاض الشيخ صالح العوران انتخابات المجلس التشريعي، التي جرت عام 1941، ليفوز فيها نائباً عن لواء الطفيلة، وكانت هذه الانتخابات بوابة عريضة لعمله النيابي الطويل والمتواصل، فلم يغب عن المجلس التشريعي - الذي اصبح اسمه بعد الاستقلال " مجلس النواب"- حتى وفاته.   ساهم الشيخ صالح العوران في حل القضايا الاجتماعية والعشائرية نظرا لضلوعه بالقضاء العشائري، الذي يعد قضاءً مسانداً بفعالية كبيرة للقضاء المدني، لذا تمتع بتقدير خاص بين الناس، وباحترام وتقدير كبيرين لدى كبار مسؤولي الدولة، وقد واصل العمل المتميز والمخلص حتى وفاته عام 1955، ودفن في مدينة الطفيلة مسقط رأسه.

  • صالح بن عودة المحيسن

        لا يُذكر التاريخ السياسي والاجتماعي الحديث لمدينة الطفيلة وما حولها، إلا وذُكر معه اسم صالح المحيسن الذي كان له دور بارز في رسم خريطة التحالفات السياسية والاجتماعية في المدينة، فقد شارك في أعمال المؤتمر الوطني الأردني الأول الذي عُقد في عمان عام 1928 برئاسة حسين باشا الطراونة، وجاء بكثير من المطالب الوطنية.     وُلد صالح المحيسن في الطفيلة عام 1900، وفي مدارس مدينته تلقى تعليمه الأولي في نهايات عهد الامبراطورية العثمانية، وكان عليه مثل أبناء جيله أن يتعلم في حينه اللغتين العربية والتركية، وقد توفي والده وهو في سنوات عمره الأولى. ومثل أبناء جيله، عانى صالح من القهر والاضطهاد، لذلك لم يتأخر في الانضمام إلى طلائع الثورة العربية الكبرى التي فجرها الشريف الحسين بن علي عام 1916، وخاض مع " رفاقه" في تلك المرحلة معارك عديدة في جنوب البلاد، من بينها معركة معان التي أصيب فيها بجرح بالغ في يده اليسرى ومعركة حد الدقيق في الطفيلة، منتصرا في ذلك لشعارات الثورة وخيارات الأمة في الوحدة والتحرر وبناء دولتها المستقلة.

       وفي عام 1921 كان صالح المحيسن أحد أبرز الوجوه العشائرية في جنوب الأردن الذين استقبلوا الأمير عبد الله بن الحسين في مدينة معان، ومبايعته أميرا على البلاد، وفي سنوات لاحقة حمل بندقيته مع بعض شباب الطفيلة ورجالها وهاجموا المستوطنات الصهيونية في فلسطين، انتصارا للثورة ودفاعا عن عروبة الأرض، وتشير سيرته إلى أنه كان يبيع شيئا من أملاكه لتوفير السلاح بثمنه لثوار فلسطين من ماله الخاص، وهي علاقة لم تنقطع بين صالح المحيسن والفدائيين في فترة لاحقة، حيث كان له حضور مؤثر في أوساط العمل الفدائي بعد هزيمة حزيران عام 1967 وانتشار ظاهرة العمل الفدائي، وبسبب هذا الدور تمت دعوته للمشاركة في أعمال المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في شباط 1969 في القاهرة، وهو المجلس الذي اختار ياسر عرفات رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد سيطرة الفصائل عليها.     كان المحيسن قاضيا عشائريا لا تُرَدّ له كلمة، وقد أسهم بحنكته وذكائه في حقن كثير من الدماء بين متنازعين لجؤوا إلى مجلسه وارتضوا بحكمه، وامتدت حدود أحكامه إلى مسافات بعيدة في الأردن، وفي الثامن من شباط عام 1974 لفظ صالح المحيسن أنفاسه الأخيرة، وتوفي عن أربعة وسبعين عاما، قضاها في قلب المشهد السياسي والاجتماعي في مدينته وخارجها، ودُفن في الطفيلة، بعد أن عاش المراحل السياسية التي مرت على الأردن، وكان فاعلا في كثير من أحداث تلك المرحلة.

  • سعد جمعة

        وُلد سعد جمعة، عام 1916 في مدينة الطفيلة، وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة السلط الثانوية قبل أن يدرس الحقوق في جامعة دمشق ليتخرج فيها عام 1947.     كلفه جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال رحمه الله برئاسة الوزارة وتشكيل الحكومة خلفا لرئيس الوزراء الشريف حسين بن ناصر عام 1967، وقد شكل الحكومة مرتين آنذاك.    شكَّل جمعة حكومته الأولى في 23/4/1967 وحازت للمرة الأولى في تاريخ الأردن على الثقة بالإجماع من مجلس النواب بسبب توقيع الأردن اتفاقية دفاع مشترك مع مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.    بيد أن هذه الحكومة استقالت بعد حرب حزيران، ليكلفه المغفور له جلالة الملك الحسين مرة ثانية بتشكيل حكومة جديدة في اليوم نفسه، واستمرت حتى 7/10/1967 ليخلفه بعدها بهجت التلهوني. عُين بعدها عضواً في مجلس الأعيان، ثم سفيراً في الخارجية استعدادا لتعيينه سفيرا للأردن في المملكة المتحدة، وبقي عضواً في الهيئة الاستشارية حتى وفاته.    تولى جمعة الذي حاز العديد من الأوسمة، مناصب عديدة منها محافظا للعاصمة، ووكيلا لوزارة الخارجية، وسفيرا للأردن في إيران ثم في سورية، ثم في الولايات المتحدة الأميركية، ووزيراً للبلاط الملكي الهاشمي، ورئيسا للوزراء، ووزيراً للدفاع، وسفيراً بوزارة الخارجية.   كتب جمعة العديد من الكتب منها: " المؤامرة ومعركة المصير"، و" مجتمع الكراهية"، و" أبناء الأفاعي". وتوفي في شهر آب عام 1979 في العاصمة البريطانية لندن إثر نوبة قلبية.
  • محمد بطاح المحيسن

        وُلد محمد بطّاح المحيسن في مدينة الطفيلة سنة 1888، ويذكر د. محمد العناقرة في مقالة له نشرها في صحيفة " الدستور" أن المحيسن أنهى دراسته الابتدائية في المدرسة الرُّشدية في الطفيلة ثمَّ ارتحل إلى دمشق لإكمال دراسته الثانوية في " مكتب عنبر" الذي كان يُعدُّ أرقى معهد علمي في بلاد الشام في العهد العثماني.    ويذكر الباحث محمود سعيد عبيدات في دراسة له، أن المحيسن كان أول طالب من الطفيلة تخرَّج في عام 1908 من" مكتب عنبر" في دمشق، وكان قد درس فيه مبتعَثاً على نفقة السلطان العثماني بسبب تفوقه، وقد تزامنت دراسة محمد المحيسن في " مكتب عنبر" مع تصاعد نشاط الحركة العربية الوطنية ضد مظالم حكومة حزب الاتحاد والترقّي التي كانت تسيطر على مقاليد الدولة العثمانية والذي كانت غالبية قياداته من يهود الدونمة ومن الماسونيين الذين كان يغلب عليهم التطرف للقومية الطورانية، وكان المحيسن من نشطاء الجناح الشبابي في الحركة الوطنية العربية وشارك في قيادة حركة اعتصام قام بها مع زملائه في " مكتب عنبر" مطالبين بزيادة حصص اللغة العربية والتاريخ العربي، فتعرَّض كأترابه من شباب الحركة للملاحقة من الاتحاديين، وعندما ضيَّق الاتحاديون الخناق على الشبان العرب اضطر المحيسن إلى مغادرة دمشق إلى فرنسا ومنها إلى مدينة ديترويت في الولايات المتحدة الأميركية حيث استقر فيها والتحق بجامعتها ليصبح أول أردني يتخرّج في جامعة أميركية، وكان في الوقت نفسه يواصل نشاطاته الوطنية ضد مظالم حكومة حزب الاتحاد والترقّي، وأصدر صحيفة باللغة العربية حملت اسم " الكفاح الوطني" مع صديقه الكركي محمد حسن الحروب، ودعمهما ماليا صديقهما ورفيقهما في الحركة الوطنية العربية عبد الحميد شومان ( مؤسِّس البنك العربي لاحقا)، الذي كان قد سبقهما إلى الهجرة إلى أميركا.     وأثناء مكوثه في مهجره بأميركا اختاره حوالي مائة ألف مغترب في أعقاب مؤتمر لهم عقدوه في نيويورك رئيسا لوفد قرّروا إرساله إلى فرنسا للمشاركة في مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، لدعم الوفود العربية في رفض مُخطَّط تقسيم البلاد العربية الذي تبنته بريطانيا وفرنسا فيما أطلق عليها اتفاقية " سايكس- بيكو"، ولكن ظروفا قاهرة في مقدمتها المكائد اليهودية حالت دون سفر الوفد إلى باريس، ومكث المحيسن في مغتربه قرابة خمسة عشر عاما واجه خلالها صعوبات اضطرته للعودة إلى الأردن عام 1923 بعد عامين من تأسيس الإمارة الأردنية، ولم يلبث أن التقى من جديد برفاقه في " مكتب عنبر": مصطفى وهبي التل " عرار" ود. محمد صبحي أبو غنيمة والضابطين جلال القطب وأحمد التل ( أبو صعب) لينخرط معهم في نشاطات الحركة الوطنية الأردنية في التصدي للاحتلال البريطاني و" وعد بلفور" وتداعيات اتفاقية " سايكس- بيكو" التي قسمت الوطن العربي إلى أجزاء عديدة ترزح تحت نير الاحتلالين البريطاني والفرنسي.      عمل المحيسن بعد عودته من أميركا مفتشا للمعارف، فحرص على إنشاء عدد من المدارس في القرى الأردنية، ثمَّ نُقل مديرا لمدرسة إربد، ويذكر المحامي ضيف الله الحمود الخصاونة الذي شغل المنصب الوزاري والمقعد النيابي أكثر من مرة، أنه تتلمذ مع الكثير من أبناء جيله من طلبة عشرينيات القرن العشرين المنصرم على الأستاذ محمد بطّاح المحيسن، ويصف الحمود أستاذه بأنه كان يحرص على توجيه طلبته إلى الاعتزاز بتاريخ أمتهم العربية وعلى تربيتهم تربية وطنية ليكونوا جيل المستقبل المؤمن بربه والوفي لآمال أمته في التحرُّر من الاحتلال الذي كان يجثم على صدور الشعوب العربية في تلك الفترة، ثمَّ نُقل المحيسن حاكما إداريا في وزارة الداخلية، ثمَّ اختاره الأمير المؤسّس عبد الله الأول بن الحسين رئيسا للديوان الأميري وكان يتقن اللغات الإنجليزية والتركية والفرنسية، ويُسجَّل للمحيسن أن انشغاله بالعمل الرسمي لم يغيّر من قناعاته الوطنية، فبقي يطالب بإلغاء المعاهدة البريطانية وطرد الأجانب من الوظائف الحساسة وإجراء انتخابات تشريعية، وكان طبيعيا أن تُغضب مواقفه الوطنية المحتلين الإنجليز فلما قرّر مع عدد من رجالات الحركة الوطنية خوض انتخابات المجلس التشريعي الثالث التي أجرتها حكومة إبراهيم هاشم في 16/10/1934 مارس الإنجليز ضغوطا على الحكومة لإفشال المحيسن ورفاقه، وكانت المفارقة أن عدد الأصوات التي حصل عليها المحيسن في مسقط رأسه الطفيلة كانت 45 صوتا فقط مما أدى إلى توتر شديد، وقام أكثر من 300 ناخب بالتوجه إلى مقر الحاكم الإداري وأقسموا بصوت واحد أنهم انتخبوا محمد بطّاح المحيسن، وسألوا الحاكم الإداري أين ذهبت أصواتهم ؟ وكشف تقرير للقنصلية الأميركية في عمّان نُشر لاحقا أن الإنجليز كانوا وراء تزوير انتخابات المجلس التشريعي الثالث لضمان إبعاد مناوئي الحكومة البريطانية من الوصول إليه، ولم تتوقف مضايقات الإنجليز للمحيسن ففُصل من عمله ونُفي إلى مسقط رأسه الطفيلة، وانتقل المحيسن إلى رحمة الله عزَّ وجلَّ في شهر آذار من عام 1942.   ومن الصفحات المطوية في سيرة محمد بطّاح المحيسن ريادته في كتابة الرواية المسرحية، وفي هذا الصدد يذكر الشاعر حيدر محمود وزير الثقافة الأسبق في مقالة نشرتها "الدستور" في 27/2/1983 أن المحيسن بعد عودته من مهجره القسري إلى أميركا ( 1908- 1923) وعمله في دائرة المعارف (وزارة المعارف) مفتشا عاما كان يشجع الطلبة على تمثيل رواية مسرحية وطنية كان قد كتبها أثناء وجوده في مهجره القسري في أميركا، وقدمت على مسارح عدة في مدن أمريكية أَطلق عليها اسم "الأسير"، وهي تروي ملحمة جهاد المغاربة بقيادة الأمير عبد الكريم الخطابي ضد الاحتلال الفرنسي، وكان المحيسن يُشجع طلبة المدارس في شرقي الأردن على تمثيلها لغرس الروح الوطنية فيهم، ويصف حيدر محمود المسرحية بأنها كانت عملاً فنياً من طراز رفيع وتنمّ عن تمكُّن كاتبها من معرفة لغة المسرح وتقنيته حتى في أدق التفاصيل.  وكان المحيسن قد كتب في أواخر سني هجرته القسرية إلى أميركا رواية مسرحية أخرى بعنوان "الذئب الأغبر" تحدَث فيها عن حركة مصطفى كمال أتاتورك التي استهوت في بدايات ظهورها الكثيرين قبل أن يكتشفوا أنها كانت حركة دبّرها اليهود والماسونيون للقضاء على دولة الخلافة العثمانية التي كانت تقف صخرة كأداء أمام الأطماع اليهودية في فلسطين.    وله رواية مسرحية أخرى بعنوان " الفريسة" تحدّث فيها عن المجتمع العربي في أواخر الحكم العثماني وعن نشاطات بعض رجالات الحركة الوطنية العربية التي كانت تتصدى لمحاولات حكومة حزب الاتحاد والترقّي الماسونية لطمس الهوية العربية وفرض الهوية القومية التركية ( الطورانية) على العرب قسرا.

  • بهجت المحيسن

         وُلد بهجت المحيسن في مدينة الطفيلة عام 1927، ونشأ في كنف والده مصطفى باشا المحيسن، الذي يعد أحد أبرز رجالات الطفيلة، والذي حرص على تربية ابنه على أحسن وجه، ورغم ما واجه أهالي البلاد من مصاعب العيش، وضعف الإمكانيات في بداية مرحلة التأسيس، إلا أن مصطفى باشا ألحق ابنه بالمدرسة الابتدائية في الطفيلة، وبعد أن أنهاها اتجه لمدينة السلط ليكمل تعليمه بمدرستها الثانوية.     نال بهجت المحيسن الثانوية العامة بتفوق، ثم قام بدراسة علم المساحة، ثم انتسب للقوات المسلحة الأردنية في 16/10/1947، وحمل الرقم العسكري (521)، ثم تمكن من الحصول على شهادة البكالوريوس في العلوم العسكرية، وقد التحق بكتيبة المدفعية الأولى، وأُرسل إلى المملكة المتحدة عام 1949 للمشاركة في دورة تأسيسية، عاد بعدها للخدمة في سلاح المدفعية، وتميز بسرعة اكتساب المعارف والمهارات العسكرية، وعُرف بالشجاعة والإقدام، وقد عاد إلى المملكة المتحدة عام 1957، ملتحقاً بدورة ركن مدفعية، وعندما عاد لوطنه، عُيّن ركناً عسكرياً في قيادة سلاح المدفعية الملكي.     في العام 1962 رُشح لدورة القيادة والأركان في الولايات المتحدة الأميركية، فاجتازها بتفوق، وكان من نتائج ذلك أن عُين قائداً لمدرسة المدفعية بعد تعريب قيادة الجيش العربي، في فترة صعبة احتاج الجيش فيها لتأهيل عدد من الضباط الأكفاء، لرفد قطاعات الجيش الآخذة بالنمو السريع بالقادة المؤهلين، وهذا ما سعى إليه المحيسن خلال قيادته لهذه المدرسة، وقد تسلم بعد ذلك قيادة كتيبة مدفعية الميدان، ثم أصبح قائداً لمدفعية الجبهة الغربية برتبة مقدم ركن، بعدها تسلم قيادة اللواء 29 حيث كان حينها برتبة عقيد ركن، وعُين بعدها بفترة قصيرة قائداً للواء حطين، وخلال قيادته لهذا اللواء المتمركز في منطقة الخليل في الضفة الغربية، واجه القوات الإسرائيلية الضخمة التي هاجمت قرية السموع عام 1966، متذرعة بوجود خلايا إرهابية، وقد جرت معركة كبيرة شارك فيها سرب من طائرات سلاح الجو الملكي الأردني، وقاد المعركة من الجانب الأردني القائد بهجت المحيسن، وقد كان العدو أكثر عدداً وأحدث تسليحاً، مع غطاء جوي كثيف، وتمكنت القوات الأردنية من دحر المعتدين وتكبيدهم خسائر تكتم عليها الإسرائيليون، وقد أصيب في هذه المعركة القائد المحيسن الذي كان يقاتل كأي جندي في كتائب لواء حطين، واستُشهد الملازم الطيار موفق السلطي، والرائد محمد ضيف الله الهباهبة، وقد حصلت القوات الأردنية على عدد من الغنائم من الأسلحة التي تركها الجيش الإسرائيلي، وتم إسقاط ثلاث طائرات إسرائيلية حديثة.     وكان للمحيسن شرف المشاركة في معركة الكرامة الخالدة، حيث خاض لواءُ حطين بقيادته أعنف المعارك في منطقة مثلث الكرامة- الشونة- عمّان، واعترف قائد الدروع الإسرائيلي أن جميع آلياته أصيبت باستثناء دبابتين، حيث ولى هارباً، وتمكنت القوات الأردنية من تحقيق أول نصر عربي على إسرائيل، ودحض أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وكانت خسائر جيش العدو تفوق خسائره في حرب حزيران عام 1967 على الجبهات كافة.     ونظراً لشجاعة المحيسن وتميزه في معركة الكرامة، تم ترقيته إلى رتبة عميد ركن، ليتولى بعد ذلك قيادة لواء الحسين بن علي، المتمركز جنوب الأردن، وقد استمر قائداً لهذا اللواء المهم مدة سنتين، حيث تم تعيينه ملحقاً عسكرياً في السفارة الأردنية في لندن، وكان سفير الأردن في بريطانيا حينها سعد جمعة الذي أصبح رئيساً للوزراء في ما بعد.     لم يطل المقام بالمحيسن في لندن، فلقد استدعي عام 1970، وعُين قائداً للفرقة الثانية، التي كانت تشكل نصف القوات المسلحة الأردنية، لكنه أحيل على التقاعد عام 1971 بناءً على طلبه.     نال عدداً من الأوسمة التي استحقها عن جدارة، حيث مُنح وسام الاستقلال من الدرجة الثالثة، ووسام النهضة من الدرجة الثالثة، ووسام الكوكب من الدرجة الثانية، ووسام الاستقلال من الدرجة الثانية، ووسام الإقدام العسكري لدوره في معركة السموع، وشارة العمليات الحربية، وشارة الخدمة العامة.    وقد وافته المنية في 10/4/2007، عن عمر ناهز التاسعة والسبعين، وشُيع إلى مثواه الأخير في مقبرة شفا بدران.

  • عبد المهدي المرافي

    • وُلد عبد المهدي المرافي في مدينة الطفيلة عام 1878، وكان والده من كبار رجالات الطفيلة وشيوخها، وقد حرص على تعليمه في الكتاتيب في القضاء لعدم وجود مدارس نظامية، ثم بعثه إلى الشام ليدرس المرحلة الابتدائية هناك، ثم انتقل عبد المهدي إلى المدرسة الرشيدية في دمشق أيضا، وكان متفوقا في دراسته حيث واصل تعليمه حتى حصل على الشهادة العليا، وساعده تفوقه هذا ومكانة والده في الحصول على بعثة دراسية في اسطنبول في معهد عال هناك فحصل على شهادة هذا المعهد وكان بذلك أول طالب من أبناء الطفيلة يحصل على شهادة في التعليم العالي، وفي المدن التي تنقّل فيها من الطفيلة إلى دمشق ثم اسطنبول، تمكن المرافي من إتقان اللغتين الفرنسية والتركية بالإضافة إلى العربية. كما أتيحت له الفرصة للقاء العديد من الشخصيات العربية التي كانت تتلقى تعليمها في دمشق واسطنبول، وكان هؤلاء يشعرون بالحالة التي بلغتها الأوضاع في بلاد الشام وغيرها من الولايات العربية الأخرى والسياسة المتبعة نحو سكان هذه المناطق والظلم الواقع عليهم من جباية للأموال ونهبٍ لكل ما يملكونه، وتتريك وجهل وعدم بناء المدارس، والقسوة التي يتعامل بها الولاة والجنود مع العرب في قراهم وأريافهم، ومناهضتهم لكل فكر عربي يحاول النهوض.      هذه الشخصيات التي التقاها المرافي ساهمت في ما بعد بالثورة العربية الكبرى، ومنهم علي خلقي الشراري وتوفيق الحلبي ومولود مخلص.     وفي عام 1908 قرر السلطان عبد الحميد إعادة العمل بالبرلمان العثماني بعد تعطيل الدستور منذ عام 1878، وتكون البرلمان العثماني من مجلسين: مجلس الشيوخ ( الأعيان) ويعينهم السلطان، ومجلس النواب ( المبعوثان) ويتم اختيار أعضائه عن طريق الانتخابات التي تجري في أنحاء الدولة، وعلى مستوى الولايات كان هناك مجلس يُطلق عليه المجلس العمومي لولاية سورية، وكان الأردن جزءا من الولاية، وقد تم اختيار عبد المهدي المرافي عضوا في هذا المجلس ممثلا لقضاء الطفيلة عام 1914 وكان معه من الشخصيات الأردنية: عودة القسوس من الكرك، وعبد النبي النسعة من معان، ويوسف السكر من السلط، وعبد القادر التل وعبد العزيز الكايد العتوم عن قضائي عجلون وجرش، وفي الفترة الثانية من المجلس مثّل الطفيلة حسن العطيوي، واستمر هذا المجلس حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918.     وفي فترة وجود المرافي في مجلس المبعوثان كانت له مواقف ضد الظلم الواقع على العرب في الولايات والأقضية، وكان يطالب بإجراءات إدارية إصلاحية فيما يتعلق بأنظمة تحصيل الضرائب من المواطنين، وقد اقترح على الدولة جدولة لتحصيل الضرائب تراعي ظروف الناس وأحوالهم المعيشية وخاصة في سنوات القحط والجفاف، لكنه كان يجابَه بالرفض، ورأوا في الاقتراحات التي يقدمها وهو عضو في هذا المجلس خروجا عن دوره الذي يجب أن يكون داعما للدولة موافقا على قوانينها وأنظمتها، ولمواقفه هذه لقي عقوبة السجن لأشهر عدة.     كان المرافي على علاقة بالعديد من الشخصيات العربية التي التقاها في دمشق واسطنبول، وكانت اللقاءات والمشاورات ممهدة في ما بعد لإشعال الثورة والمشاركة فيها، وكانت هذه الشخصيات ومنها المرافي على اتصال بالأمير فيصل، وقد انتسب المرافي لإحدى الجمعيات السرية التي تمهد لقيام الثورة وحشد الأنصار لها، وكانت اللقاءات السرية متواصلة مع الأمير فيصل، منها لقاء تم في شهر أيار عام 1916، يقول الكاتب هزاع البراري في مقالة له عن المرافي: " لعب عبد المهدي المرافي دوراً مهماً في الثورة العربية الكبرى، وقد انتسب إلى جمعية سرية بغية التمهيد لقيام الثورة والحشد لها، ويذكر في مذكراته واصفاً إحدى اللقاءات السرية مع الأمير فيصل، في مزرعة آل البكري في القابون قائلاً: وبعد أن أقدم جمال باشا السفاح على فعلته الثانية بحق أحرار العرب، وكنا في لقاء سري مع الأمير فيصل نهاية الأسبوع الأول من شهر أيار 1916، في القابون بضواحي دمشق في مزرعة آل البكري، جاءتنا الأخبار من خلال صحيفة (الشرق) تقول إن جمال باشا السفاح نفذ جريمته الثانية بحق مجموعة من أحرار العرب، وعُلقوا على أعواد المشانق، وفي تلك اللحظة من الاجتماع اختلفت ملامح الأمير فجأة، فنهض من مقعده متأثراً من الخبر، فنزع كوفيته بيمينه ورماها على الأرض وداسها غاضباً وصرخ بأعلى الصوت: (لقد طاب الموت يا عرب)".      وعندما تحركت جيوش الثورة في جنوب الأردن، انضم المرافي إلى الأمير زيد بن الحسين حين دخل الطفيلة وكانت معركة الطفيلة المشهورة، وكان يسجل أولا بأول معارك الثورة ونجاحاتها.    عُقد المؤتمر السوري الأول عام 1919، وكان عبد المهدي المرافي أحد أعضاء الوفد الأردني المشاركين في المؤتمر ممثلين عن الأردن، وهذه الشخصيات هي: سليمان السودي الروسان، وسعيد الصليبي، وعيسى مدانات، وعطيوي المجالي، وناصر الفواز الزعبي، وسعيد أبو جابر، وناجي ذيب وحسن العطيوي.    وقد تم انتخاب هذا الوفد لتقرير ودراسة مستقبل سوريا الكبرى أمام اللجنة الأميركية ( كنغ- كراين)، وهي لجنة تحقيق دولية أُرسلت إلى الشام لدراسة ومعرفة اتجاهات الناس وآرائهم حول وحدة واستقلال سوريا والموقف من نظام الانتداب ووعد بلفور. وقد جاءت مطالب الوفد الأردني كما يلي:  " المطالبة باستقلال البلاد السورية في ظل حكومة ملكية نيابية لامركزية برئاسة الأمير فيصل مع رفض الانتداب واعتباره مساعدة فنية واقتصادية لا تمس استقلال البلاد على أن تأتي من الولايات المتحدة الأميركية".    وعندما دخل الأمير فيصل إلى دمشق وشكل الحكومة المركزية الأولى لدولة بلاد الشام، اتخذ مجلس الوزراء القرار رقم (22) بتاريخ 15 أيلول 1919 الذي تم بموجبه إلغاء التشكيلات الإدارية التركية في البلاد واستحداث تشكيلات إدارية جديدة، وصادق الأمير فيصل عليها في 2 تشرين الثاني 1919.    وقسمت الدولة السورية الموحدة إلى ثمانية ألوية، منها ثلاثة ألوية في شرقي الأردن: لواء حوران، ولواء البلقاء، ولواء الكرك.    وكانت الطفيلة قضاء تابعا للواء الكرك، وتشكل مجلس القضاء فيه من: محمد شريف الزعبي (قائم مقام)، الشيخ محمد النقشبندي ( قاض شرعي)، عبد المهدي المرافي (مأمور المساحة والتسجيل والطابو).     بعد ذلك قرر الأمير فيصل مشاركة الشعب في الحكم، وأن تكون حكومته دستورية ديمقراطية، وقرر أن تكون هناك مجالس نيابية استشارية، وجرت انتخابات في شرقي الأردن طبقا للقانون التركي القديم، وفاز عن قضاء الطفيلة عبد المهدي المرافي ومثل القضاء في المؤتمر السوري الأول كما ذُكر سابقا، ولأسباب شخصية كما يشير سليمان الموسى في كتابه " تاريخ الأردن في القرن العشرين" لم يستمر المرافي في هذا التمثيل فحل محله حسن العطيوي ممثلا عن الطفيلة.     لم تغب الطفيلة وشخصياتها عن الأحداث الكبرى التي كانت تحدث في دمشق، فقد كانت هناك حركة وطنية فيها كما هي في سائر المدن الأردنية، وكانت هناك مؤتمرات واحتجاجات ضد قرارات تقسيم سوريا الكبرى والاتفاقيات التي وقعتها الدول الكبرى، واحتجاجا على ذلك عُقد في الطفيلة مؤتمر بتاريخ 29 كانون الأول عام 1919 تداعى إليه رؤساء ومشايخ عشائر الطفيلة وتدارسوا قرارات تقسيم سوريا الكبرى رافضين كل ما يجري، وفي ختام المؤتمر أرسل المؤتمرون برقية الى الحكومتين الفرنسية والبريطانية بذلك.

      بتاريخ 8 آذار 1920 اتخذ أعضاء المؤتمر السوري قرار إعلان استقلال سوريا الطبيعية ( سوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن والعراق) ونادوا بفيصل ملكا عليها، وشكلت لها حكومة، ولكن بريطانيا وفرنسا لم تعترفا بهذه القرارات واتخذتا قرارا في سان ريمو في 25 كانون الثاني 1920 بفرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، وفرض الانتداب البريطاني على شرقي الأردن وفلسطين والعراق، بعد ذلك زحف الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال غورو إلى دمشق واصطدم مع القوات العربية في ميسلون يوم 24 تموز 1920، ودخلوا دمشق وطلبوا من الملك فيصل مغادرة البلاد، ويشير الباحثون إلى أن عبد المهدي المرافي قد شارك في معركة ميسلون وربما استُشهد فيها أو أصيب وفُقد هناك في ظروف غامضة.     وهناك نص مذكرة كتبها قاضي الطفيلة الشرعي آنذاك إلى قاضي دمشق الشام مؤرخة في 3 أيار 1925 تتضمن استدعاءً مقدماً من محمد بن عبد المهدي المرافي، ونصها يشير إلى أن عبد المهدي المرافي كان عضوا في المجلس العمومي في الحكومة الفيصلية في دمشق، ونص المذكرة:    " أرجو مساعدة مقدم هذا الاستدعاء بصدور الأمر الكريم لمن يلزم بالتحري عن تركة والده عبد المهدي المرافي المُومَى إليه المتوفى بدمشق حينما كان منتخبا عضوا عن الطفيلة في المجلس العمومي زمن الحكومة الفيصلية والتفضل بإرسال التركة المذكورة إلينا مع حامل هذه العريضة السيد إسماعيل العمايرة من أهالي الطفيلة لتسلَّم لورثته على الأخص، والختام. تفضلوا بقبول فائق الاحترام. 3 آذار 1925".

ابرز شخصيات التعليم في البدايات

شكلت الطفيلة خلال تاريخها الطويل، نقطة عبور واستقرار، فقد جذبت قبائل ورجالاً استعذبوا الإقامة فيها، لفرادة موقعها، وخصوبة تربتها وغناها بمصادر المياه، وهذا ما جعلها مركزاً حضارياً في فترات كثيرة، وهذا الغنى الديموغرافي عم الديار الأردنية منذ فجر الحضارة حتى اليوم، حيث يعد الشيخ الفقيه أحمد مسعود الدباغ حالة ممثلة لكل ذلك، فهو من أبرز علماء الأمة الأجلاء، جمع في سيرة حياته الشخصية والعائلية، الوطن العربي من المغرب العربي، حتى الحجاز في الجزيرة العربية، حيث كان الناس يتنقلون في أرجاء الوطن الكبير، دون أن يوقفهم حاجز أو تزعجهم مسافة مهما طالت، وهذا ما وهب المنطقة حالة من الثراء الفكري والثقافي، الماثلة شواهدها إلى يومنا هذا.
    ولما كان الأردن على طريق الحرير، وبوابة الجزيرة العربية، وطريقاً للحج، فإن ذلك منحه أهمية متجددة لموقعه الجغرافي، فكان دوماً ملتقى للحضارات الكبرى، وأرضاً للتنوع الثقافي والعرقي.

 

  • الشيخ أحمد الدباغ

        الشيخ الدباغ هو أحمد بن مسعود الدباغ الحسني، الذي يعود بنسبه للحسن السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، كما ترجم له الباحث والروائي سليمان القوابعة، في كتابه « الطفيلة: تاريخها وجغرافيتها/ الجزء الثاني « والذي رفدنا بمعلومات إضافية لمعرفته الشخصية بالشيخ الجليل.  وكان أحمد مسعود الدباغ المولود في المدينة المنورة عام 1882 يلقب بالشيخ السيد احتراماً له، ولارتباط نسبه بالسادة الأشراف، فقد انتشر كثير من الأشراف في الديار الإسلامية، كدعاة وفقهاء متبصرين بأمور الدين، يدعون الناس ويشرحون لهم أمور دينهم ويساعدونهم في قضاياهم الدينية والدنيوية، وقد وصل عدد منهم إلى شمال أفريقيا، متنقلين بين أمصارها ومدنها، من ليبيا وتونس والجزائر حتى المغرب.     كانت رحلة جد الشيخ أحمد الدباغ، الذي وصل مدينة فاس المغربية، بعد أن تنقل بين المدن في المغرب العربي الكبير، فاستقر في فاس مع علماء الزواياً يعلمون الوافدين إلى دور العلم، من النيجر ومالي والسنغال ونيجيريا وغيرها، فتأثر الجد بالمذهب المالكي السائد في المغرب والتزم به.     نشأ الشيخ أحمد الدباغ في المدينة المنورة مسقط رأسه، بعدما عاد إليها والده مسعود من فاس، ليقيم بموطنهم الأصلي في المدينة المنورة، الزاخرة بالحلقات العلمية وبيوت التعليم، وقد تولاه بالرعاية بعد وفاة والده زوج أمه، وفي تلك الفترة تلقى دروسه العلمية على يد عدد من شيوخ المدينة، وبعد أن أنهى هذه المرحلة تمكن من الالتحاق بدار المعلمين في المدينة المنورة، بعدها تعلم أصول العطارة، حيث عمل عطاراً لفترة من الزمن، وقد ساعدته هذه المهنة في تدبير شؤونه المالية في العيش، ولم ينقطع عن العلم والعلماء، حيث عمق صلاته بالعلماء في مكة والمدينة والطائف، فكان يؤم مجالسهم، ويتحاور معهم في القضايا الدينية والدنيوية، وقد انتشر خبر علمه ورجاحة عقله، واشتهر اسمه في الحجاز، حتى لفت أنظار قاضي قضاة مكة المكرمة، الذي أدرك جدارته وقدرته العلمية، فقام بتعيينه قاضياً شرعياً في بلدة العقبة ومحيطها، من خلال مرسوم رسمي، حيث كانت العقبة تتبع إمارة الحجاز، وقد تزامن تكليفه هذا مع اندلاع معارك الحرب العالمية الأولى، وتميز عمله في القضاء الشرعي في العقبة بالمسؤولية العالية، موظفاً علمه ومعرفته وخبراته الكبيرة، حيث كان بالإضافة لكل ذلك كيّساً فطناً.      عندما تم إنشاء إمارة شرق الأردن، بُعيد سقوط الحكومة العربية في دمشق، والتي قامت بعد نجاح الثورة العربية الكبرى، عمد الشيخ الدباغ إلى الانتقال إلى عاصمة الدولة الفتية عمّان، واتصل بالأمير عبد الله بن الحسين، الذي كان يعرفه تمام المعرفة، وقد عرض عليه الأمير العمل في القضاء الشرعي، بعد ما حققه من سمعة طيبة في العقبة، لكن الشيخ اعتذر عن عدم قبول العرض، لإدراكه أن القضاء الشرعي عمل فيه من المسؤولية الشيء الكثير، وهو دائماً يخشى الخطأ والوقوع في الزلل، مفضلا العمل في التعليم، وأن يسهم في تعليم الأجيال القادمة، فاستجاب لطلبه أمير البلاد، وعينه معلماً في قرية الطيبة في الكرك، لكنه لم يطل الإقامة فيها، بعدما قامت بينه وبين أحد سكانها خصومة، فتظلم للأمير الذي نقله إلى مدينة الطفيلة بناءً على طلبه، وفها أصبح معلماً في مدرسة الطفيلة للبنين، وكان يدرس فيها مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية، وقد تخرج على يديه عدد من كبار رجالات الطفيلة، الذين لعبوا دوراً وطنياً بارزاً.     تميز الشيخ أحمد الدباغ أثناء عمله في التدريس، بأسلوب يعتمد التشويق والإثارة، فهو لا يؤمن بالعقاب القاسي، لكنه عرف بصرامته في الصوت والملامح، مخفياً رقة القلب التي اتصف بها، فقد كان محبوباً من طلبته، ومهاباً ومقدراً من الجميع، حيث واصل عمله مدرساً في مدرسة الطفيلة، حتى أحيل على التقاعد عام 1945، بعد خدمة طويلة تميزت بالجدية والإخلاص والاجتهاد، لقد تحول مع الأيام إلى مكوّن أساسي في الحياة التربوية والدينية في مدينة الطفيلة، وكان يقصده الطلبة والأهالي في أي وقت من الأوقات، حيث حظي بمكانة اجتماعية كبيرة بين الأهالي.    لم يركن الشيخ أحمد مسعود الدباغ للراحة والدعة، فقد كان محباً للعمل، راغباً في مساعدة الناس، في التربية والتوعية، وتبصير الناس بأمور دينهم، ونظراً لما حصله من علوم وخبرات، وما تميز به من ذكاء وفطنه وتوخي العدل، فقد وجه شيوخ ووجهاء ومخاتير الطفيلة رسالة إلى جلالة الملك عبد الله الأول ابن الحسين عام 1946، يطلبون فيه تعيين الشيخ الدباغ قاضياً للقضاة، كون الطفيلة تحتاج إلى من ينهض بهذه المسؤولية، أسوة بباقي مدن المملكة، فاستجاب جلالة الملك لمطلبهم، وهو الذي يعرف تماماً قدرات الشيخ في مجال القضاء الشرعي، فعينه قاضياً للقضاة في الطفيلة، وقد أظهر عمله الجديد في القضاء، نجاعة ما ذهبوا إليه، فاكتسب مزيداً من الاحترام والتقدير، حيث قوبلت أحكامه الشرعية بالثقة والارتياح.     سعى الشيخ الدباغ للمساهمة في مساعدة المجتمع الريفي، الذي يعاني من تفشي الأمية وهيمنة الأعراف المتداولة، ليتحول ولو بطيئاً إلى مجتمع مدني، وذلك بعمله على تأسيس " نادي الفضائل" بمساعدة من أبناء الطفيلة المتنورين، حيث لعب هذا النادي دوراً مؤثراً، في التوعية والتثقيف عن طريق أنشطته المختلفة، وقد اختير الدباغ رئيساً للنادي بالتزكية، وأثناء رئاسته للنادي عمل على استقطاب عدد من أصحاب الفكر من أبناء المدينة، وكان ينظم الجلسات الحوارية، في مختلف المجالات: الدينية والثقافية والفكرية، وكل ما يهم الناس بخاصة الشباب، ومن الأنشطة الفريدة التي كان يقوم بها، زيارته الأسبوعية للسجناء، يلتقي بهم يعظهم ويرشدهم إلى سبل الصلاح، وكيفية عودتهم إلى الطريق السليم.     كان بيته في الطفيلة قريباً من مسجده، بمثابة صالون يلتقي فيه الأهالي، من أجل فهم كثير من المشاكل والقضايا التي تواجههم، وكان يفسر ويشرح، ويقدم الحلول والمشورة، ولم يكتف بذلك، بل كان يقوم برحلات كل فترة إلى الفلاحين في القرى البعيدة، مشياً على الأقدام أو على دابة برفقة أحد الأصدقاء، ليقوم بدوره الذي اختطه لنفسه، فيرشدهم ويعظهم ويجيب على أسئلتهم، ولم يكن يبخل عليهم بشيء من المعرفة، وعرف عنه عمله على تغيير أسماء رجال غير متفائلة، ويستبدلها بأسماء ذات فأل طيب، وعندما يتأخر المطر، كان يتقدم الجموع بوجود الأطفال والماشية، في صلاة الاستسقاء، وغالباً يستجاب لصلاتهم ودعواتهم، ويبدو أنه احتفظ بطريقته الصوفية، التي ورثها عن والده القادم من المغرب، وكان له مريدوه من مناطق الأردن كافة.     كان للشيخ أحمد الدباغ علاقة حسنة بسمو الأمير الحسن بن طلال، وقد ترك مكتبة خاصة تضم كتباً قيمة، تم التبرع بها لمكتبة الجامعة الأردنية، وقد قرر تأليف كتاب موسع عن الأحاديث النبوية الشريفة، لكن تعدد المهام والأنشطة التي يقوم بها، حالت دون تمكنه من تنفيذ مشروعه.

        تزوج الشيخ الدباغ ثلاث نساء، الأولى توفيت قبل وصوله الطفيلة، أما الثانية فقد كانت من جزيرة جاوا، وقد توفيت في الطفيلة ودفنت فيها، أما الثالثة فمن الطفيلة وقد أنجبت له خمسة أولاد وثلاث بنات، وقد عرف عنه حبه العميق للطفيلة، التي يعدها أرضاً مقدسة محاطة بمقامات عدد من الصحابة الأجلاء، وعندما أحس بدنو أجله ارتحل عند ابنته الكبرى في الرياض، حيث توفي هناك عام 1974، ودفن في الرياض عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عاماً، وتخليداً لذكراه الطيب فقد أطلقت وزارة التربية والتعليم اسمه على مدرسة في الطفيلة وهي " مدرسة الشيخ أحمد الدباغ الأساسية للبنين" يطلُّ عليها مسجده وبيته. 

       ويذكر من أبرز الأساتذة اللذين تتلمذوا على يد الشيخ الجليل أحمد الدباغ الأستاذ الفاضل عطا الله خليل العدينات.

    • الشاعر عطالله خليل العدينات

       وهو أحد أبرز شعراء محافظة الطفيلة، أسس في عام 1936 أول مدرسة خاصة في مدينة الطفيلة بعد حياة حافلة بالعطاء الاجتماعي والتعليمي والأدبي والمواقف الإنسانية والاجتماعية في خدمة المحافظة وأهلها ووطنه.     ووفقاً لابنه الشاعر تيسير العدينات رحمه الله فإن المغفور له بإذن الله قد رحل عن عمر يناهز 88 عاما فهو من مواليد سنة" الهجيج" 1918 التي اضطر فيها النساء والأطفال وكبار السن إلى الهرب من المدينة من بطش الأتراك صوب أودية الغور فيما التحق رجالاتها القادرون على حمل السلاح برجال الثورة العربية الكبرى.     وأضاف أنه أكمل دراسة الصف الثامن في مدرسة الكرك وحين عاد أسس في عام 1936 وصديقه المرحوم حسن القواسمة أول مدرسة خاصة لتأسيس الأطفال قبل سن المدرسة وكانت في غرفة من منزل قديم يقع قرب قلعة الطفيلة وقد أسماها مدرسة " الفلاح" وقد زارها المغفور له بإذن الله الملك المؤسس عبد الله الأول وأعجب بمستواها، واقترح رحمـه الله  تسميتها " مدرسة الرشاد" وقد استمرت هذه المدرسة الخاصة نحو ست سنوات إلى أن تم تعيينه معلما في وزارة المعارف في مدرسة " صنفحة" حيث بقي عدة سنوات ثم تقرر نقله إلى مدرسة في قرية " صرفا" بمحافظة الكرك فاستقال وتم تعيينه في وزارة الأشغال العامة إلى أن أنهى مدة التقاعد .    وقال ابنه أنه كان مغرما بالشعر والأدب وبدأ كتابة الشعر مبكرا وله أكثر من 130 قصيدة شعرية، وكان مشاركا فاعلا في مختلف الأنشطة الثقافية والوطنية، وقد تم تكريمه عشرات المرات من قبل العديد من المؤسسات الرسمية والهيئات المحلية، وقد تزوج مبكرا وله من الأبناء خمسة من الذكور وثمان من الإناث.     ووفقاً للمحافظ السابق أحمد حسن القرعان الذي كان أحد تلاميذه فقد اتصف رحمه الله بالموضوعية، وثبات شخصيته، فلم يعرف التزلف، وكان يشار إليه بالبنان نظرا لعلمه ومواقفه، وتواصله الاجتماعي، وإبداعه الأدبي، ومغامرته بتأسيس مدرسة خاصة في ظروف كانت صعبة للغاية.    وأضاف أنه يذكر تماما يوم أرسله والده ليتعلم في المدرسة ولم يكن قد بلغ بعد سن الالتحاق بمدرسة المعارف.    وقال كنا نتعلم قراءة القرآن وتفسيره والكتابة والحساب والتاريخ وكان التلاميذ يحضرون معهم "سحاحير خشبية" للجلوس عليها في غرفة صغيرة يتوسطها لوح أسود ويعلـو الحائط صورة لـهتلر حيث كان رحمه الله معجبا بشخصيته.

 

      الطفيلة 66110 الاردن

  • هاتف:0096232250326
  • فاكس:0096232250002
  • م.الارتباط:0096265525326
  • presidency@ttu.edu.jo

جامعة الطفيلة التقنية

Top
نحن نستخدم الكوكيز لتحسين موقعنا على الانترنت. من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع، فإنك تعطي الموافقة على الكوكيز المستخدمة We use cookies to improve our website. By continuing to use this site, you agree to give cookies used More details…